أبو نصر الفارابي

32

الجمع بين رأيي الحكيمين

صورته ويتخذ صورة المغتذي . فلا بد من القول بنفس نامية هي علة الاغتذاء والتمثيل والحياة وتكوّن الحي في صورة ومقدار معينين . النفس الحاسة : النفس الحاسة للحيوان ، تجمع بين وظائفها ووظائف النفس النامية . فليس في الحيوان سوى نفس واحدة متعددة القوى والوظائف لان الجسم الطبيعي من اي نوع كان ، واحد ، ومبدأ وحدته صورته ؛ فان تعددت فيه الصور أبطلت وحدته . فالنفس الحاسة متصلة بالجسم مباشرة ، وهي كلها صورة الجسم كله ، وقواها المختلفة صور لأعضاء الجسم المختلفة ، كقوة الابصار ، فهي صورة الحدقة . فالحس قوة متحدة بعضو ، والقوة والعضو يؤلفان شيئا واحدا كالهيولى والصورة ، فالفعل فعلهما جميعا : لا تدرك قوة الابصار من غير الحدقة ، ولا تدرك الحدقة من غير القوة المتحدة بها . وكذلك الانفعالات ، كالغضب والخوف والفرح وما إليها ، لا تصدر عن النفس وحدها ، ولكنها تصدر عن المركب من النفس والجسم ، يدل على ذلك ان في « ذات » الوقت الذي يحدث فيه انفعال نفسي يحدث تغير في الجسم ، بحيث لا نستطيع الفصل بين استشعار الخوف ، مثلا ، والرعشة وغيرها من الظواهر الجسمية التي تصاحب الخوف . فالانفعالات صور متحققة في مادة ، ولا ينبغي مجاراة المخيلة التي تتصور الانفعال النفسي من جهة ، وعلاماته الظاهرة من جهة ، أو النفس من جهة والجسم من جهة . وأرسطو يلحّ في ذلك الحاحا شديدا . ويدل لفظ « المحسوس » على ثلاثة أنواع من الموضوعات : اثنان مدركان بالذات والثالث بالعرض . اما الاثنان الأولان فأحدهما المحسوس الخاص لكل حاسة ، والآخر المحسوس المشترك بين الحواس جميعا . والمحسوس الخاص هو الذي له حاسة معينة معدة لقبوله ، بحيث لا تستطيع حاسة أخرى ان تحسه : فاللون محسوس البصر ، والصوت محسوس السمع ، والطعم محسوس الذوق . اما اللمس فله موضوعات عدة ( الحار والبارد ، اليابس والرطب ، الأملس والخشن ، الصلب واللين ) فهو مجموعة حواس . والحس انما ينفعل بالشيء لا من حيث إن هذا الشيء هو شيء معين ، بل من حيث إن له كيفية معينة هي التي تؤثر في الحس ، لذلك لا يخطئ الحس إذ انه يتأثر ، حسب حالته ، بالمؤثر الخارجي : فإذا كان الحس مضطربا تأثر ، وفق حالته هذه ، بالموضوع المؤثر عليه . ( نصحح الاحساس الحاضر بالتجربة السابقة ) . اما المحسوسات المشتركة فهي : الحركة والسكون والعدد والشكل والمقدار ، تدركها الحواس جميعا ، وتدركها بالحركة : فمثلا نحن ندرك المقدار بحركة اليد أو بحركة العين تطوف به ، غير أن اليد تدركه بواسطة الصلابة ، وتدركه العين بواسطة اللون . وبادراك المقدار ندرك الشكل ، إذ ان الشكل حد المقدار ، وندرك السكون بعدم الحركة ، وندرك العدد باليد أو بالعين تحسان أشياء منفصلة .